أسس النموذج الإسلامي الإيراني للتنمیه

أسس النموذج الإسلامي الإيراني للتنمیه

احمد احمدی

أستاذ في جامعة طهران

اعوذ بالله من الشيطان الرجيم

«فَأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ»

«وَ إِذْ أخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أشْهَدَهُمْ عَلی أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّکُمْ قالُوا بَلی شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیامَةِ إِنَّا کُنَّا عَنْ هذا غافِلینَ»

خاض المرحوم العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان والمرحوم الشهيد مطهري في كتاب الفطرة والإمام الخميني قدس سره في كافة مؤلفاته في بحث الفطرة وفطرة الدين. حتى أنهم إعتبروا الميول إلى الله في الأحكام والأعمال والأدعية أيضاً فطرية.

إعتبر المرحوم مطهري في الجزء الخامس من كتاب أصول الفلسفة والمذهب الواقعي أن هذا الميول هو أحد البراهين والدلائل على إثبات وجود الله. أي أنه توجد في ذات الإنسان ميول للمنشأ السامي؛ وإذا وجد هذا الميول في ذات الإنسان (أياً يكن) سيكون عابداً؛ على سبيل المثال كان غاندي يقرأ في كل صباح قليلاً من كتب الودا والتورات والقرآن والإنجيل. كتاب اوبانيشاد كتاب عظيم. في بعض أجزاءه يمكن رؤية سورة الإخلاص بذاتها. إذاً، هذا يدل على وجود حقيقة ما. وورد في تاريخ إكتشاف أمريكا أنه عندما إشتبك كريستوف كولومبس ورفاقه مع الشعب المتواجد في ذلك المكان، عندما كان يقع ذلك الشعب في مأزق، كانوا يرفعون رؤوسهم إلى السماء ويطلبون العون من الله. إذا وجد الإنسان وجدت الفطرة وإذا وجدت الفطرة ستتواجد الميول إلى الله بالتأكيد أيضاً.

لديكارت دراسة مهمة بحيث اعتبر وجود سبعة إلى عشرة مفاهيم فطرية، أي أنه إعتبرها مفهوماً وتصوراً. طبعاً المفهوم يختلف عن الميول. الميول بناء على كلام مولوي عبارة عن «كما يميل الأطفال لأمهاتهم – فلا تستصغرن ميولك بأقل من ذلك»؛ أي أنه يدرك طلبه لشيء ما وإرادته لشيء آخر ولكنه لا يعلم تعريفاً له؛ مثل هذا المفهوم هو علم مكتسب. أي يجب أولاً تواجد الشيء ليستطيع جسم وعقل الإنسان من تصويره. لكن هذا هو المفهوم. أي عندما قلنا ميولاً فذلك ليس مفهوماً. في الأساس هذا ليس تصوراً أو مفهوماً بل بدونه يعلم القيام ببعض الأعمال، على سبيل المثال، عندما يولد الطفل يأخذ ثدي أمه ويرضع حليبها. هذا الرضيع لا يملك تصوراً عن الرضاعة ولم يختبرها من قبل. إذاً الإنسان يؤمن بالعبودية بشكل فطري. بالإضافة إلى هذا، يقول الإمام الخميني في تفسير سورة الحمد بأن كل شيء إسم الله. كل شيء آية؛«و بأسمائك التي ملأت أركان كل شيء»؛ ملأ إسم الله أركان كل شيء. إسم ليس لفظاً. في الحقيقة إن الأسماء والصفات هي ذات الله التي تظهر في هذا العالم وإذا كان كل شيء أسماء الله فهذا الميول، الميول للأسماء والميول لذات الله. يعتقد الكثيرون مثل ديكارت بوجود مفهوم باسم الله بحيث يوجد هذا المفهوم بمجرد قدومنا إلى هذه الدنيا. يضرب مثالاً بأن الأشخاص الذين ينتمون إلى عائلة مبتلية بداء النقرس بشكل متوارث، لن يظهر هذا الداء في هؤلاء المرضى لمدة معينة، لكن عندما يكبرون سيظهر الداء؛ لذلك لا يمكن القول بأن الطفل الذي ولد حديثاً في تلك العائلة مصاب بداء النقرس، لكن لديه الأرضية لذلك. مفهوم الله أيضاً مشابه له. لقد كان يتحدث عن مفهوم. لكن المرحوم الشهيد مطهري و مولانا أطلقوا عليه إسم ميول؛ أي لم يتم تصويره. كما هو ميول الأطفال لأمهاتهم فلا تستصغرن ميولك بأقل من ذلك.

البحث الآخر يدور حول هذه الآية الشريفة التي تعاركت آراء المفسرين فيها: «وَ إِذْ أخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَ أشْهَدَهُمْ عَلی أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّکُمْ قالُوا بَلی شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا یَوْمَ الْقِیامَةِ إِنَّا کُنَّا عَنْ هذا غافِلینَ».

تذكر ذلك الوقت عندما أخذ ربك من بني آدم  -و ليس من آدم- من ظهورهم ذرياتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى. من المعلوم أخذ الذريات من ذات وظهور بني آدم –سواء رجل أو إمرأة- (طبعاً هذا الأخذ ليس مادياً) وتكمن في ذات هؤلاء الأشخاص شهادة بربوبية الخالق.

ورد في بعض الروايات أن الله أخذها من ظهر آدم وكانوا النمل؛ لكن المرحوم العلامة الطباطبائي وباقي المفسرين يقولون أنه ذكر بني آدم في هذه الآية وليس آدم.

أي انسان شهد بذلك وهذا موضوع آخر. بناء على هذه الآية وبناء على آية الفطرة فإن الميول إلى الله موجودة في ذات الإنسان؛ وهذا لا يختص بالناس العاديين. على سبيل المثال نقد كانت في الجزء الثاني من كتابه المنطق براهين إثبات وجود الله لكنه وصل إلى إثبات وجود الله عن طريق الحكمة العملية و يقول بنفسه: لم أحيا أبداً من دون الله. «و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم». هذا اليقين موجود حتى في ذات الفيلسوف الذي أمضى أعواماً من عمره لكتابة المنطق ونقد البراهين. يقول فيتجنشتاين أيضاً: لست متديناً عادياً لكنني أؤمن بالله.

فطرة الإنسان العبودية. إذا كانت الفطرة هكذا، إذاً ما دام الإنسان إنساناً ستوجد الميول إلى الله في ذاته. على سبيل المثال شخص مثل أنيشتاين كان يتحدث أيضاً عن وجود أصوات في الكون لا يمكننا نحن الفيزيائيون فهمها؛ الأنبياء يفهمونها. أي أن رائد الفيزياء النظرية أيضاً يؤمن بالله. هايزنبرغ أيضاً كان منكراً للعلية وصل في أواخر عمره إلى حالة عرفانية. إذا كانت هذه الفطرة موجودة في طبيعة جميع الناس إذاً الدين موجود دائماً. كما قال المرحوم صدرا، هذه الحركة الجوهرية الموجودة في المادة  تحتاج إلى تدعيم؛ هذه الفطرة حية دائماً وما دام الإنسان موجوداً فسيكون لديه إله ودين.

يقال بأن لينين ألقى خطاباً تاريخياً في قاعة موسكو وقال بأن الدين هو أفيون المجتمع ويجب محوه من العالم؛ لكن في هذه السنوات الأخيرة، عقد مؤتمر ضخم في تلك القاعة وقيل فيها الدين باقٍ. أغلب المجتمع الروسي متدين. يقول يلتسين: عندما كنت أذهب إلى مكان ما ويقال هذا ملحد كنت أشعر بالخجل. المشاركة الشعبية في الأعمال العبادية والكنيسية في روسيا لافتة للنظر. في بلد كانت ترتفع أصوات الإلحاد فيه على مكبرات الصوت لمدة سبعين عاماً بقي متديناً. البحث الآخر حول الإنسان نفسه. لدى الإنسان صفات ورغبات وأمور متأصلة هي نفسها فطرة «ألست بربكم». الأمور المتأصلة الأخرى أنه ما دام الإنسان إنساناً فهو يحب المحبة ويكره الأذى. يقول أمير المؤمنين للإمام الحسن عليهما السلام: «إجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك»؛ أي عندما تكره التعرض للأذى فقس الآخرين بنفسك ولا تعرضهم للأذى؛ وإذا رأيت أنك تود المحبة والإحسان فانظر إلى الناس كما تنظر لنفسك. كقول الشاعر الايراني سعدي:

 به جان زنده‌دلان سعديا كه ملك وجود - نيرزد آنكه دلي را ز خود بيازاري.

«لقد كرمنا بني آدم»، و قولوا للناس حسناً، يجب أن تكون من أسس النموذج. قولوا للناس حسناً؛ ليس للمسلمين فقط؛ يقول تكلموا مع الكافر بالكلام الحسن والأدب. «هل الدين إلا الحب؟» «الدين هو الحب والحب هو الدين». إذا كان هكذا، إذاً فالإنسان يحب المحبة في ذاته ويكره الأذى والأذية. رحمة الله على العلامة الطباطبائي الذي محى الغضب من نفسه. كانت هذه الصفة إحدى أبرز صفاته. إذاً يجب أن تكون هذه المفاهيم أساس النموذج الإسلامي الإيراني. كتب الشيخ أبو الحسن خرقاني على باب ديره: من أتى إلى هذا المنزل أعطوه الخبز ولا تسألوه عن إيمانه فهذا الشخص يساوي روحاً عند الباري تعالى كي لا يساوي خبزاً عند أبي الحسن. أسلم آلاف الناس في الهند وخاصة على حدود كشمير وشمال الهند على يد المير سيد علي الهمداني أيضاً عن طريق هذه المحبة؟ لم يأخذ شيئاً من أحد. كان يتبعه سبعمائة تلميذ. قال لهم إعتاشوا على نسج الشال والأعمال اليدوية وساعدوا الآخرين؛ وهذه المحبة أدت إلى هذا العدد الغفير من المسلمين والشيعة في كشمير. لذلك يجب أن نضع في إعتبارنا أساساً آخر ويجب إدراج الإنسان في هذا النموذج الإسلامي إلى حد ما. الإنسان مكرم –كافر و غير كافر-. تصرفات السلفيين بقتلهم الناس لإقامة الدين لا يتلائم مع أي منطق أبداً. الإسلام دين السكينة. يقول القرآن: «من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون». مع الجميع، لدينا حديث يقول أنهم يأخذون حاتم الطائي إلى النار لأنه كان كافراً، لكن النار لا تحرقه لسخاوته. لذلك الأساس الآخر هو الإهتمام بالإنسان؛ الشخص الذي ألبسه الله حلة الكرامة. يجب أن نحترم الجميع. أي لننظر للإنسان برؤية أخرى. لنعتبر أن جميع المخلوقات أسماء الله.

هنالك أساس آخر هو «إنا لله وإنا إليه راجعون» الذي هو أساس القرآن الكريم ودعوة الأنبياء وهو في الأساس أصل الخلقة. الدين عقل النبوة ورسالة الأنبياء وهذا الأساس ينسجم تماماً مع الفطرة وتكريم الإنسان. طبعاً يجب علينا جميعاً العمل بأحكام الله وإذا لم يتم العمل بالأحكام الإلهية فلن نصل إلى أية نتيجة. يقول محي الدين في الجزء الثاني من كتاب الفتوحات والشعراني في كتاب اليواقيت والجواهر: كل كشف يظهر على العارف إذا لم يكن يأمر بالعمل بالشريعة فهو شيطاني. كانوا يعلمون ذلك أيضاً. إذاً يجب العمل بالأحكام لكن لننظر للمخلوقات برؤية أخرى.